التَّصَوُّفُ هوَ مَنْهَجٌ لِلحَياةِ يَرْتَكِزُ عَلَى تَهْذِيبِ الأَخْلاقِ الْفَاضِلَةِ وَبُلُوغِ مَقَامَاتٍ تُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ، وَلِذَلِكَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ «الْجَانِبُ الرُّوحِيُّ لِلْإِسْلامِ». وَلَمَّا كَانَ تَوْحِيدُ اللَّهِ هُوَ أَسَاسَ الْإِسْلامِ، فَإِنَّهُ يَحْتَلُّ مَكَانَةً مَرْكَزِيَّةً فِي الْفِكْرِ وَالْمُمَارَسَاتِ الصُّوفِيَّةِ أَيْضًا. وَنَاقَشَ الصُّوفِيَّةُ التَّوْحِيدَ بِشَكْلٍ تَفْصِيلِيٍّ وَمُسْهَبٍ، مُسْتَرْشِدِينَ فِي ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ.
َمَعَ ذَلِكَ، وَاجَهَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ انْتِقَادَاتٍ، حَيْثُ تَمَّ التَّشْكِيكُ فِي فَهْمِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ، بَلْ وَوَصَلَ الْأَمْرُ حَدَّ اتِّهَامِهِمْ بِالْكُفْرِ. وَمَصْدَرُ هَذَا هُوَ غَالِبًا سُوءُ فَهْمٍ لِمَفْهُومِ الْفَنَاءِ الرُّوحِيِّ فِي التَّصَوُّفِ، وَسُوءُ تَفْسِيرِ لُغَتِهِمِ الْمَجَازِيَّةِ، وَإِخْرَاجُ أَقْوَالِهِمْ مِنْ سِيَاقَاتِهَا الْأَشْمَلِ فِي تَعَالِيمِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ.
فكل طريقة صوفية هي تفسيرٌ خاصٌ للتصوّف وترجمةٌ له من عِلمٍ نظري عام إلى منهج ٍتطبيقيٍ مُعيّن. وهذا الكتاب يشرح السلوك الصوّفي كما فصّله مشايخ الطريقة العَلِيّة القادِريّة الكَسْنَزانيّة وجسّدوه في منهجهم العملي في ممارسة الإسلام روحاً وجسداً. فاجتهد الكتاب في شرح التصوّف وفقاً للطريقة الكَسْنَزانيّة كما وَرَدَنا يداً بيدٍ وعِياناً وسَماعاً عن أستاذنا الغائب عن عيونِنا الحاضِرُ في قلوبِنا السيّد الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان الحُسَيني (قدّس الله سره العزيز).
يُقَدِّمُ هَذَا الْكِتَابُ مَجْمُوعَةً مُخْتَارَةً مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي تُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى جَوَانِبَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي التَّصَوُّفِ. وَتُظْهِرُ هَذِهِ الْأَقْوَالُ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ يَرَوْنَ الْإِدْرَاكَ الْبَشَرِيَّ مَحْدُودًا بِطَبِيعَتِهِ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِالذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَيُؤَكِّدُونَ عَلَى أَنَّ التَّنْزِيهَ الْحَقِيقِيَّ لِلَّهِ يَتَطَلَّبُ الِاعْتِرَافَ بِهَذَا الْقُصُورِ وَقَبُولَ وَصْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ دُونَ الْإِفْرَاطِ فِي اسْتِخْدَامِ الْعَقْلِ.

Reviews
There are no reviews yet.